صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
3666
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
الوقائع ، وغرائب البدائع ، ما يطرب السّماع ، ويشنّف المسامع ، كقضيّة الطّائيّ وشريك ، نديمي النّعمان بن المنذر . وتلخيص معناها أنّ النّعمان كان قد جعل له يومين : يوم بؤس ، من صادفه فيه قتله وأرداه ، ويوم نعيم ، من لقيه فيه أحسن إليه وأغناه ، وكان هذا الطّائيّ قد رماه حادث دهره بسهام فاقته وفقره ، فأخرجته الفاقة من محلّ استقراره ليرتاد شيئا لصبيته وصغاره ، فبينما هو كذلك إذ صادفه النّعمان في يوم بؤسه ، فلمّا رآه الطّائيّ علم أنّه مقتول وأنّ دمه مطلول . فقال : حيّا اللّه الملك إنّ لي صبية صغارا ، وأهلا جياعا ، وقد أرقت ماء وجهي في حصول شيء من البلغة لهم ، وقد أقدمني سوء الحظّ على الملك في هذا اليوم العبوس ، وقد قربت من مقرّ الصّبية والأهل وهم على شفا تلف من الطّوى ، ولن يتفاوت الحال في قتلي بين أوّل النّهار وآخره ، فإن رأى الملك أن يأذن لي في أن أوصّل إليهم هذا القوت وأوصي بهم أهل المروءة من الحيّ ، لئلّا يهلكوا ضياعا ثمّ أعود إلى الملك وأسلّم نفسي لنفاذ أمره . فلمّا سمع النّعمان صورة مقاله ، وفهم حقيقة حاله ، ورأى تلهّفه على ضياع أطفاله ، رقّ له ورثى لحاله ، غير أنّه قال له : لا آذن لك حتّى يضمنك رجل معنا ، فإن لم ترجع قتلناه ، وكان شريك بن عديّ بن شرحبيل نديم النّعمان معه فالتفت الطّائيّ إلى شريك وقال له : يا شريك بن عديّ * ما من الموت انهزام من لأطفال ضعاف * عدموا طعم الطّعام بين جوع وانتظار * وافتقار وسقام يا أخا كلّ كريم * أنت من قوم كرام يا أخا النّعمان جد لي * بضمان والتزام ولك اللّه بأنّي * راجع قبل الظّلام فقال شريك بن عديّ : أصلح اللّه الملك ، عليّ ضمانه ، فمرّ الطّائيّ مسرعا ، وصار النّعمان يقول لشريك : إنّ صدر النّهار قد ولّى ، ولم يرجع ، وشريك يقول : ليس للملك عليّ سبيل حتّى يأتي المساء ، فلمّا قرب المساء ، قال النّعمان لشريك : قد جاء وقتك قم فتأهّب للقتل ، فقال شريك : هذا شخص قد لاح مقبلا ، وأرجو أن يكون الطّائيّ ، فإن لم يكن فأمر الملك ممتثل ، قال : فبينما هم كذلك وإذ بالطّائيّ قد اشتدّ في عدوه وسيره مسرعا ، حتّى وصل ، فقال : خشيت أن ينقضي النّهار قبل وصولي ، ثمّ وقف قائما ، وقال : أيّها الملك ، مر بأمرك فأطرق النّعمان ثمّ رفع رأسه وقال : واللّه ما رأيت أعجب منكما ، أمّا أنت يا طائيّ فما تركت لأحد في الوفاء مقاما يقوم فيه ، ولا ذكرا يفتخر به ، وأمّا أنت يا شريك فما تركت لكريم سماحة يذكر بها في الكرماء ، فلا أكون أنا ألأم الثلاثة ، ألا وإنّي قد رفعت يوم بؤسي عن النّاس ، ونقضت عادتي ، كرامة لوفاء الطّائيّ وكرم شريك . فقال الطّائيّ : ولقد دعتني للخلاف عشيرتي * فعددت قولهم من الإضلال إنّي امرؤ منّي الوفاء سجية * وفعال كلّ مهذّب مفضال